RSS

صيغ التمويل في المصارف الإسلامية

June 7th, 2010
صيغ التمويل في المصارف الإسلامية

تنتشر المصارف الإسلامية في بعض دول العالم، خصوصا الإسلامية منها، جنبا إلى جنب مع المصارف الأخرى لتؤدي دورها في عملية الإقراض والتنمية. وتزداد أهمية هذه المصارف بقدر ما تزداد الدعوة للعودة إلى الأصول والتمسك بها. وفي جميع الأحوال، فقد لا تختلف المصارف الإسلامية عن المصارف الأخرى إلا في الاسم. فكل أنواع المصارف بالنتيجة هدفها الربح وهذا شيء مشروع لا أحد ينكره، عليها، والمهم هو الخدمة التي تقدمها هذه المصارف للزبائن بغض النظر عن المسميات.
وفي سورية كانت المصارف الوحيدة الموجودة هي المصارف التي تملكها الحكومة حتى صدر القانون رقم 28 لعام 2001
فنص في مادته الأولى على مايلي " يجوز تأسيس مصارف على شكل شركات مساهمة مغفلة سورية خاصة أو على شكل شركات مشتركة مساهمة مغفلة سورية يساهم فيها القطاع العام المصرفي والمؤسسة العامة السورية و المؤسسات الادخارية الأخرى بناء على قرار من مجلس الوزراء بنسبة ( 25 0/0 ) من رأس مالها ، وتمارس نشاطاتها بإشراف مصرف سوريا المركزي و مراقبته وفقا لأحكام قانون النقد الأساسي رقم /87/ لعام 1953 وتعديلاته وأنظمة القطع المرئية في كل مالا يخالف أحكام هذا القانون.
بعد ذلك، وفي عام 2005 صدر مرسوم إحداث المصارف الإسلامية رقم 35 والذي عرف المصرف الإسلامي بأنه
"المصرف الذي يتضمن عقد تأسيسه ونظامه الأساسي التزاما بممارسة الأعمال المصرفية المسموح بها على غير أساس الفائدة أخذا وعطاء ووفقا لصيغ المعاملات المصرفية التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية سواء في مجال قبول الودائع وتقديم الخدمات المصرفية الأخرى أو في مجال التمويل والاستثمار"
من أهم استخدامات الأموال في البنوك التجارية القروض والسلفيات التي يقدمها البنك لعملائه مقابل فائدة محددة مقدماً.
أما المصارف الإسلامية فيتم استخدام الأموال عن طريق صيغ التمويل المتعددة والمشروعة والتي تناسب كافة الأنشطة سواء أكانت تجارية، صناعية، زراعية، عقارية، مهنية، حرفية.
ويعد نشاط التمويل من أهم الأنشطة بالمصارف الإسلامية حيث تمثل عوائده أهم مصدر للأرباح.
ونتناول فيما يلي أشكال العقود المالية في الفقه الإسلامي المستخدمة في التمويل بالمصارف الإسلامية. وسوف يتم تناول كل صيغة من صيغ التمويل الإسلامية التالية من حيث تعريفها ومدى مشروعيتها ومجالات تطبيقها في المصارف لإسلامية:
1- صيغة التمويل بالمرابحة.
2- صيغة التمويل بالمشاركة.
3- صيغة التمويل بالمضاربة.
4- صيغة التمويل بالاستصناع.
5- صيغة التمويل بالسلم.
6- صيغة التمويل بالإجارة.
7- صيغة التمويل بالتورق.
8- صيغة التمويل بالبيع الآجل.
9- صيغة الاستثمار المباشر.
أولاً: صيغة التمويل عن طريق بيع المرابحة:
يعد بيع المرابحة من أنواع البيوع المشروعة وأحد قنوات التمويل بالمصارف الإسلامية، والمرابحة في اللغة: مصدر من الربح وهو الزيادة وفي اصطلاح الفقهاء هي بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح، أو هي بيع برأس المال وربح معلوم. وصفتها أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشتري به السلعة ويشترط عليه ربحاً ما.
أركان بيع المرابحة هي:
1. العاقدان.
2. الصيغة ( الإيجاب والقبول )
3. المعقود عليه.
- تطبيق بيع المرابحة في المصارف الإسلامية :
تبين من الواقع العملي أن هذا النوع من البيوع يطبق في المصارف الإسلامية تحت اسم " بيع المرابحة للأمر بالشراء" ، والفرق بينه وبين بيع المرابحة أن بضاعة المرابحة مملوكة للبائع حال البيع. وصور هذه المعاملة أن يتقدم العميل إلى المصرف طالباً منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلاً مرابحة بالنسبة التي يتفق عليها ويدفع الثمن مقسطاً حسب إمكاناته، على أن يدعم هذا الطلب بالمستندات اللازمة، ومنها على سبيل المثال عرض أسعار للسلعة موضوع المرابحة، ويقوم المصرف بعد ذلك بالإجراءات اللازمة للحصول على السلعة المتفق عليها ودفع قيمتها وبعد وصول البضاعة ، يخطر العميل لإتمام اجراءات البيع. وقد اعترض البعض على هذه المعاملة من باب أنها تدخل في بيع ما لا يملك أو بيع ما ليس عند البائع وهو ما يسمى أيضا البيع المهدوم وهو وبيع منهي عنه، والمصرف الإسلامي هنا يبيع للعميل ما لا يملكه من السلع الذي يطلب منه شراءها من الداخل أو استيرادها من الخارج، وبعضهم عبر عنه بقوله البيع قبل الشراء أي بيع السلعة قبل شرائها، ويرى أن هذا البيع أسوأ أنواع الربا.
وقد قرر العلماء والمشاركين في مؤتمر المصرف الإسلامي في دبي ومؤتمر المصرف الإسلامي الثاني في الكويت أنهم أجازوا للمصرف الإسلامي، البيع للآمر بالشراء إذا تملك السلعة بالفعل وما يجرى بين المصرف وطالب الشراء قبل ذلك إنما هو مواعدة بينهما وليس بيعاً وشراء وجاء في نص فتوى مؤتمر الكويت ما يلي:
" يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق، هو أمر جائز شرعياً طالما كانت تقع على المصرف مسؤولية الهلاك قبل التسليم وتبعه الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي."
ضوابط الاستثمار عن طرق بيع المرابحة للآمر بالشراء:
1- تحديد مواصفات السلعة وزناً أو عداً أو كيلاً أو وصفاً تحديداً نافياً للجهالة.
2- أن يعلم المشتري الثاني بثمن السلعة الأول الذي اشتراها به البائع.
3- أن يكون الربح معلوماً لأنه بعض الثمن سواء كان مبلغا محدداً أو نسبة من ثمن السلعة المعلوم.
4- أن يكون العقد الأول صحيحاً.
5- ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا.
6- أن يتفق الطرفان على باقي شروط المواعدة من زمان ومكان وكيفية التسليم.
- مجالات الاستثمار عن طريق صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء:
وفرت هذه الصيغة للمصارف الإسلامية وسيلة تمويلية تمكنها من الوقوف أمام البنوك التقليدية وتحقيق الأرباح، حيث أن هذه الصيغة قد سدت احتياجات التجار والصناعيين الذين لا يرغبون في الدخول مع المصارف في المشاركة بكل ما تستلزمه من كشف للأسرار والمعلومات، ومن الجدير بالذكر أن المرابحات تمثل الجانب الأكبر من الاستثمارات إذ قد تصل إلى أكثر من 80 % من حجم الاستثمارات في بعض المصارف الإسلامية. وتمكن هذه الصيغة من تلبية احتياجات قطاعات مختلفة منها على سبيل المثال:
- القطاع الحرفي : عن طريق شراء الآلات والمعدات اللازمة للورش.
- القطاع المهني : عن طريق شراء الأجهزة الطبية للأطباء.
- القطاع التجاري : عن طريق شراء البضائع سواء من الداخل أو الخارج.
- القطاع الزراعي : عن طريق شراء الالآت الزراعية الحديثة.
- القطاع الصناعي : عن طريق شراء المعدات الصناعية الضخمة.
- القطاع الإنشائي : عن طريق شراء معدات البناء مثل اللورد.
كما يمكن للمصارف الإسلامية تلبية الاحتياجات للاستعمال الشخصي مثل شراء سيارة أو الأجهزة والأثاثات المنزلية.
ثانياً: صيغة التمويل عن طريق المشاركات:
تعد المشاركات من أهم صيغ استثمار الأموال في الفقه الإسلامي، وهي تلائم طبيعة المصارف الإسلامية، فيمكن استخدامها في تمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة. وتعد صيغة المشاركة من البدائل الإسلامية للتمويل بالفوائد المطبق في المصارف التقليدية. يقوم التمويل بالمشاركة على أساس تقديم المصرف الإسلامي التمويل الذي يطلبه المتعاملون دون اشتراط فائدة ثابتة كما هو الحال في التمويل بالمصارف التقليدية، وإنما يشارك المصرف المتعامل في الناتج المتوقع ربحاً كان أو خسارة وحسبما يربح المصرف فعلاً، وذلك في ضوء قواعد وأسس توزيعيه متفق عليها بين المصرف والمتعامل، وهذه الأسس مستمدة من قواعد شركة العنان. ويعد التمويل عن طريق المشاركة مشروعاً، فقد قرر مؤتمر المصرف الإسلامي بدبي إن المشاركة تقرها الشريعة الإسلامية إذا كان نشاطها حلالاً وما يتم كسبه من ربح يوزع بين الشريكين أو الشركاء بنسبة رأس مال كل منهما، وأن تكون الخسارة كذلك بنفس النسبة إذ الغنم بالغرم والعكس بالعكس، فإذا كان أحد الشركاء قائماً بإدارة الشركة فتخصص له نسبة من صافي الربح يتفق عليها على أن يوزع باقي الربح بعد ذلك فيما بين الشركاء حسب حصته في رأس المال.
أنواع المشاركات كما تقوم بها المصارف الإسلامية:
تتعدد أنواع المشاركات وفقا للمنظور وراء كل تقسيم والأهداف المرغوبة منه، ويوجد للمشاركة عدة أشكال.
1- المشاركة الثابتة ( طويل الأجل ):
وهي نوع من المشاركة يقوم على مساهمة المصرف في تمويل جزء من رأس مال مشروع معين مما يترتب عليه أن يكون شريكاً في ملكية هذا المشروع وشريكاً كذلك في كل ما ينتج عنه من ربح أو خسارة بالنسب التي يتم الاتفاق عليها والقواعد الحاكمة لشروط المشاركة. وفي هذا الشكل تبقى لكل طرف من الأطراف حصص ثابتة في المشروع الذي يأخذ شكلا قانونياً كشركة تضامن أو شركة توصية.
2- المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك:
المشاركة المتناقصة أو المشاركة المنتهية بالتمليك هي نوع من المشاركة يكون من حق الشريك فيها أن يحل محل المصرف في ملكية المشروع إما دفعة واحدة أو على دفعات حسبما تقتضي الشروط المتفق عليها وطبيعة العملية.
3- المشاركة المتغيرة:
هي البديل عن التمويل بالحساب الجاري المدين حيث تم تمويل العميل بدفعات نقدية حسب احتياجه ثم يتم أخذ حصة من الأرباح النقدية في أثناء العام.
وقد تبين من الواقع العملي أن صيغة التمويل بالمشاركة من أهم صيغ التمويل المطبقة بالمصارف الإسلامية، حيث تعد من البدائل الإسلامية لأسلوب التمويل بالفوائد، وهي تلائم فئة كبيرة من المتعاملين مع المصارف الإسلامية.
ثالثاً : صيغة التمويل عن طريق المضاربة:
تعد المضاربة من أهم صيغ استثمار الأموال في الفقه الإسلامي، وهي نوع من المشاركة بين رأس المال والعمل، وسوف يتم تناولها من حيث تعريفها ومدى مشروعيتها وأركانها وشروطها وأنواعها ومجالات تطبيقها في المصارف الإسلامية.
تعريف المضاربة: المضاربة لغة: مفاعلة من الضرب في الأرض وهو السير فيها، وشرعاً: عقد شركة في الربح بمال من جانب وعمل من جانب آخر، وركنها الإيجاب والقبول, وحكمها إيداع ابتداء، وتوكيل مع العمل وشركة إن ربح، وغصب إن خالف، وإجارة إن فسدت، فلا ربح حينئذ، بل له أجر عمله بلا زيادة على المشروط.
والمضاربة هي أن يعطي شخص ما شخصا آخر مالا ليتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثاً أو ربعاً أو نصفاً وتسمي مضاربة أو إقراضاً. والقراض بلغة أهل الحجاز أو المضاربة كا تسمى في العراق عقد من عقود الجاهلية، شاع التعامل به قبل الإسلام ، وقد عرف ابن رشد المضاربة " بقوله أن يدفع الرجل إلى الرجل المال على أن يعمل فيه على جزء من الربح"
شروعية المضاربة: كانت المضاربة شائعة بين العرب زمن الجاهلية وكانت قريش أهل تجارة يعطون المال مضاربة لمن يتجر بجزء مسمى من الربح، وأقر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في الإسلام، ومن الأمثلة على ذلك خروج الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة للتجارة في أموال السيدة خديجة رضي الله عنها على أن يكون له نصيب في الربح، فهو عقد مضاربة وقد استمر العمل به بعد البعثة، وبذلك تستند مشروعية عقد المضاربة إلى السنة العملية الثابتة بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة على العمل بها. وقد أجمع العلماء على جواز عقد المضاربة.
أنواع المضاربة: المضاربة شركة بين اثنين أحدهما يسمى رب المال والآخر يسمى المضارب والأول له نصيب في الربح مقابل رأس المال والثاني ربحه مقابل عمله الذي يؤديه، والمضاربة نوعان وهما :
أ‌- المضاربة المطلقة: وهي أن تدفع المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل، فالمضاربة المطلقة يكون للمضارب فيها حرية التصرف كيفما شاء دون الرجوع لرب المال إلا عند نهاية المضاربة.
ب‌- المضاربة المقيدة: وهي التي يشترط فيها رب المال على المضارب بعض الشروط لضمان ماله، وهذا النوع من المضاربة جائز وقد قال الإمام أبو حنيفه وأحمد إن المضاربة كما تصح مطلقة فإنها تجوز كذلك مقيدة.
تطبيق صيغة المضاربة بالمصارف الإسلامية:
تبين من الواقع العملي إن كلا النوعين من المضاربة ملائم لمعاملات المصارف الإسلامية غير أن المضاربة المطلقة هي الأصل في التعامل بين المصرف وأصحاب ودائع الاستثمار. فهذه الصيغة تجيز للمصرف أن يباشر جميع التصرفات التي يرى فيها المصلحة بعده مضارباً في مال صاحب الوديعة فيخلطها بأموال أصحاب الأسهم والودائع الأخرى، وتجيز له أيضاً أن يدفعها لغيره ليضارب بها. فالمصرف عندما يكون هو المضارب كما في الصناديق الاستثمارية تلائمه المضاربة المطلقة وعندما يكون هو رب المال أو نائباً عنه كما في تمويل المستثمرين تلائمه المضاربة المقيدة. والمضاربة في المصارف الإسلامية مع المتعاملين قد تكون قصيرة الأجل أو متوسطة الأجل أو طويلة الأجل ، فقد يضارب المصرف على صفقة واحدة فهي مضاربة قصيرة الأجل، وقد يضارب في سلعة تشترى ثم تباع على فترات فهي مضاربة متوسطة الأجل، وقد يشترك مع آخرين في تمويل رأس مال مشروع بالكامل لفترة طويلة فهي مضاربة طويلة الأجل. والمجال المناسب للمضاربة بالنسبة للنشاط التجاري، المضاربة في السلع التي يمكن شراؤها من مصادر إنتاجها وبيعها بالأسواق المحلية، ويتطلب هذا أن يكون لدى المتعامل الخبرة بهذه الأنواع من السلع. ولقد تبين أن بعض المصارف الإسلامية تحجم عن التعامل بصيغة المضاربة ويرجع ذلك إلى عدم استيعاب المتعاملين لأسلوب تطبيق هذه الصيغة لعدم توافر نوعية المتعاملين من ذوي الأمانة والثقة العالية، بالإضافة إلى المخاطر المترتبة على قيام المصرف بتمويل كافة العملية دون أن يدفع العميل حصة في التمويل.
رابعاً: صيغة التمويل بالاستصناع :
يعرف الاستصناع بأنه عقد مع صانع على عمل شئ معين في الذمة وهو من عقود البيوع. وقد ذهب الحنفية إلى جواز عقد " الاستصناع " استحساناً كما ذهب إلى جواز التعامل بعقد الاستصناع أيضاً مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حيث جاء في قراره ما يلي: إن عقد الاستصناع – وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة – ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.
يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة، كما يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. وقد شرع الاستصناع لسد حاجات الناس ومتطلباتهم.
- تطبيق صيغة الاستصناع بالمصارف الإسلامية :
بدأ الاستصناع يحتل دوراً رئيساً في استثمارات المصارف الإسلامية، إذ قامت المصارف بتمويل المباني السكنية والاستثمارية بنظام الاستصناع ، وساهمت بذلك في حل مشكلات معاصرة كثيرة، إذا وفرت للمستصنع المواد الخام إضافة إلى العمل نفسه، وساهمت المصارف في صناعات أخرى عديدة وأبرمت عقود استصناع مع عملائها، غير أن أبرزها حجماً في المعاملات هو المجال العقاري.
خامساً: صيغة التمويل عن طريق بيع السلم:
السلم والسلف بمعنى واحد وهو بيع شيء موصوف في الذمة بثمن معجل، وهو نوع من البيوع ويقال ويقال سلم وأسلم وسلف وأسلف بمعنى واحد هذا قول جميع أهل اللغة، أما في الشرع فهو كما عرفه الإمام النووي أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً، أي أن البضاعة المشتراة دين في الذمة ليست موجودة أمام المشتري ومع ذلك فإنه يدفع الثمن عاجلاً للبائع، والفقهاء تسمية بيع المحاويج لأنه بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتابعين. ومشروعيته جاءت بالكتاب والسنة والاجماع ، يقول تعالى: " يأيها الذين آمنوا إذا تدايتنم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " البقرة ( آية 282 ).. ومن السنة ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يسلفون في التمر العام والعامين فقال: " من سلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم " رواه البخاري ومسلم. أما الإجماع فقد نقل ابن قدامه عن ابن المنذر قوله، أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على أن السلم جائز لأن المثمن في البيع أحد عوض العقد فيما زان يثبت في الذمة كالثمن ولأن الناس في حاجة إليه.
وقد أقر مؤتمر المصرف الإسلامي في دبي عام 1979 هذا النوع من البيوع إذا كان المصرف يتقيد بالشروط التي ذكرها الفقهاء ومراعاة ذلك في كافة عقود السلم. ولا يشترط أن تكون البضاعة المشتراة من إنتاج البائع كما هو الحال في المصارف الإسلامية فإنها تستورد البضائع من بلدان أخرى ولا تقوم بإنتاجها، والفرق بين السلم وبيع المرابحة أن بيع السلم يتم الثمن حالاً أما بيع المرابحة فهناك وعد بالشراء، وفي كلتا الحالتين يكون المشتري من المنتج الأساسي هو المصرف الإسلامي لا المتعامل .
سادساً: صيغة التمويل بالتأجير مع الوعد بالتملك:
مفهوم الإجارة:
الإجارة من الناحية الشرعية هي عقد لازم على منفعة مقصودة قابلة للبذل والإباحة لمدة معلومة بعوض معلوم، والإجارة المذكورة صورة مستحدثة من صور التمويل في ضوء عقد الإجارة، وفي إطار صيغة تمويلية تسمح بالتيسير على الراغب في اقتناء أصل رأسمالي، ولا يملك مجمل الثمن فوراً.
تطبيق الإجارة بالمصارف الإسلامية: يتم تطبيق الإجارة بالمصارف الإسلامية على النحو التالي:
1- قيام المصرف( المؤجر) بشراء أصول ثابتة محددة بمعرفة (المستأجر)
2- يقوم المصرف بتمويل شراء الأصل وامتلاكه ثم تأجيره بعقد متوسط أو طويل الأجل وتسليمه له للانتفاع به واستخدامه.
3- تحتسب الدفعات الإيجارية على فترة التعاقد بحيث تغطي
- الأموال المدفوعة في شراء الأصل ( أو جزء منها)
- القيمة التقديرية للأصل (في نهاية مدة الإجارة) يقوم العميل بسدادها في نهاية مدة الإيجار لتملك الأصل ( حسب
الاتفاق عند التفاوض).
- هامش ربح مناسب ( يمثل عائد المصرف خلال مدة الإيجار).
- يقوم المستأجر بسداد تأمين للمصرف ( بنسبة متفق عليها ) لضمان المحافظة على الأصل المؤجر وصيانته
خلال فترة التأجير كاملة.
- يعتبر المصرف مالكاً للأصل طوال فترة الإيجار، بينما يعتبر المستأجر حائزا ومستخدماً له حتى تمام سداد أقساط الإجارة التقديرية للأصل، وتنتقل إليه ملكية الأصل المؤجر.
وتستخدم صيغة الإجارة بالمصارف الإسلامية تحت مسمى " التأجير مع الوعد بالتملك " وذلك تطبيقا لقرار مجمع الققه الإسلامي الدولي رقم 110 الصادر في دورته الثانية عشر التي عقدت في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 23 /28 / سبتمبر / 2000 والذي ينص على ضرورة الفصل بين عقد التأجير وبين عقد التمليك حيث أن لكل عقد حقوقا والتزامات لدى الأطراف تختلف باختلاف العقدين بحيث يتم أولاً توقيع عقد الإجارة وفي نهاية مدة التأجير يتم توقيع عقد البيع وانتقال الملكية للعميل.

سابعاً: صيغة التمويل بالتورق:
تعريف بيع التورق: هو شراء سلعة بثمن مؤجل ثم بيعها لآخر بثمن نقدي للحصول على النقد. وهذا النوع من البيوع هو من بيوع المساومة ، وقد ظهر التورق بالمصارف الإسلامية لتلبية الأهداف التالية:
1- تلبية احتياجات العملاء من النقد .
2- تجنيب العملاء للخسائر العالية .
3- تجربة حديثة لتمويل العملاء.
الضوابط الشرعية للتورق : بيع التورق من البيوع الجائزة ( قرار مجلس الفقع الإسلامي في دورته 15 بتاريخ 31/10/1998، كما صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بإجازته.
آلية عمل التورق بالمصارف الإسلامية :-
1- يقوم البنك بشراء كمية من السلع وتملكها .
2- يقوم البنك بعرض السلعة للعملاء لشرائها.
3- يتقدم العميل للبنك بطلب لشراء وحدات معينة من السلع.
4- توقيع عقد بيع بالتقسيط بين البنك والعميل ( بيع على الوصف) .
5- تملك العميل للوحدات بموجب مستندات .
6- توكيل العميل للبنك لبيع السلعة نقدا وإيداع المبلغ بحسابه.
7- سداد العميل للأقساط المستحقة.
ثامناً : صيغة التمويل عن طريق البيع الآجل ( البيع بالتقسيط):
البيع الآجل هو أن يتم تسليم السلعة في الحال مقابل تأجيل سداد الثمن إلى وقت معلوم سواء كان التأجيل للثمن كله أو لجزء منه، وعادة ما يتم سداد الجزء المؤجل من الثمن على دفعات أو أقساط ، فإذا تم سداد القيمة مرة واحدة في نهاية المدة المتفق عليها مع انتقال الملكية في البداية فهو بيع آجل، وإذ تم سداد الثمن على دفعات من بداية تسلم الشيء المباع مع انتقال الملكية في نهاية فترة السداد . فهو( البيع بالتقسيط).
فالبيع الآجل والبيع بالتقسيط قد يكون بالسعر الذي تباع به السلعة نقداً وهذا لا خلاف في جوازه بل هو عمل يؤجر فاعله، وقد يكون البيع الآجل بسعر أكبر من الثمن الحال وفي هذا اختلاف بين الفقهاء، أجازه جمهور الفقهاء، وصورته أن يقول صاحب السلعة لمشتري هذه السلعة ثمنها مائة إذا دفعت الثمن الآن ومائة وعشرة إذا دفعته بعد سنة ويتم البيع على هذا.
وقد منع بعض الفهاء هذا البيع بحجة أن هذه الزيادة ربا ورأي الجمهور أرجح لأن هذا بيع تراضي فتدخل في عموم قوله تعالى: " وأحل الله البيع وحرم الربا".. البقرة ( آية 275) .
تطبيق البيع بالتقسيط بالمصارف الإسلامية: تسلك المصارف الإسلامية طريق البيع الآجل أو البيع بالتقسيط بثمن أكبر من الثمن الحالي في حالتين:
الأولى : في معاملاتها مع التجار الذين لا يرغبون في استخدام أسلوب التمويل بالمشاركة وهذه الطريقة هي البديل لعملية الشراء بتسهيلات في الدفع التي تمارسها البنوك التجارية.
الثانية : في المعاملات التي يكون فيها المبلغ المؤجل كبيراً والآجل طويلا.
ومن أنسب المشروعات التي يمكن للمصارف الإسلامية تمويلها باستخدام هذا الأسلوب هو بيع الوحدات السكنية، فالبيع الآجل (التقسيط) في هذه الحالة هو البديل المناسب لسلفيات المباني بالفائدة التي تمارسها البنوك التقليدية (البنوك العقارية).
تاسعاً: صيغة الاستثمار المباشر:
يقوم المصرف الإسلامي باستثمار أموال المودعين بنفسه أو عن طريق المتعاملين معه بتمويله لعملياتهم الاستثمارية. فإذا قام المصرف بتمويل مشروعات المتعاملين فهو في هذه الحالة ربا للمال، والمتعاملين هم المضاربين ويسمى ذلك استثمار غير مباشر، وفي حالة قيام المصرف باستثمار الأموال بنفسه فهو في هذه الحالة مضارباً والمودعون هم أصحاب الأموال وذلك طبقاً لعقد المضاربة بينهم، ويسمى الاستثمار في هذه الحالة استثماراً مباشراً، فالاستثمار المباشر هو الاستثمار الذي يمتلك بموجبه المصرف الإسلامي المشروع الذي يقوم بتأسيسه وإدارته.
ويجب أن تتوافر لدى المصارف الإسلامية الخبرات والمهارات التي تمكنها من إدارة هذه المشروعات وفي حالة عدم توافرها يمكن أن يستأجر من يعاونها في هذا العمل من العمال أو الفنيين أو الخبراء. ويقوم جهاز الخبراء لدى المصارف الإسلامية بإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات المقترحة والتأكد من عدم مخالفة النشاط أو المنتجات للشريعة الإسلامية، مع الأخذ في الحسبان العائد وخدمة التنمية الاقتصادية . وقد أجاز المؤتمر السادس لمجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالقاهرة في آذار عام 1971 الاستثمار المباشر حيث جاء في البند الثالث الخاص بتوظيف الودائع واستخدام الموارد: "يجوز للبنك إجراء استثمارات مباشرة (يشرف عليها بنفسه) أو استثمارات غير مباشرة، كما يجوز له إنشاء مؤسسات استثمارية يقوم بتمويلها لتتولى نيابة عنه ولحسابه وتحت إشرافه وإدارة مشروعات استثمارية " .
إن قيام المصارف الإسلامية بإنشاء مشروعات الاستثمار، أو الترويج لها أو المشاركة فيها ليس من باب الآمال أو الاختيار، ولكنه من باب المسئولية الأصلية للمصرف الإسلامي، وبدون هذه المسئولية يصبح المصرف الإسلامي مجرد مؤسسة حلال وليس بالضرورة مؤسسة اقتصادية تدعم النظام الاقتصادي الإسلامي. فالمصرف الإسلامي بطبيعة تركيبه لا يمكن أن يكون بنكاً تجارياً يتاجر بالأموال ولكنه بنك استثمار وأعمال هدفه دائماً تنشيط الاستثمار والتنمية، وتنشيط المدخرين الصغار، وتنشيط أصحاب الحرف الصغيرة. إن الصفة الاستثمارية للمصرف الإسلامي صفة ملازمة له تماما، مع الأخذ في الاعتبار أن إلغاء التعامل بالفائدة من عمليات البنك الإسلامي يجعل الاستثمار المباشر ليس فقط مسألة ضرورية بل والشغل الشاغل أيضاً لإدارة البنك ويتوقف عليها وجود البنك من عدمه، ليس فقط لمتطلبات الربحية ولكن أيضاً لمتطلبات السيولة والأمان للبنك من ناحية وزيادة قدرة المجتمع على تشجيع الاستثمارات المستقبلية.
ولذلك يجب على المصرف الإسلامي تدعيماً للدور الاستثماري التنموي أن يقوم بالتعرف على فرص الاستثمار وتعريف المستثمرين بها والقيام بتحليل المشروعات ودراسة جدواها مع الترويج للمشروعات بعد دراستها وخاصة تلك المشروعات التي تتطابق مع الأولويات الإسلامية. ولا يقتصر الاستثمار المباشر على إنشاء شركات إنتاجية فقط وإنما يمكن الاستثمار عن طريق المتاجرة المباشرة وهو الشراء سواء قام به الشخص نفسه أو تم لصالحه وذلك بهدف تقليب المال وتحريكه في عملية التجار للحصول على ربح حلال من الفرق بين تكلفة الشراء وسعر البيع ولتحقيق مصلحة أفراد المجتمع بتوفير احتياجاتهم من السلع المختلفة. لذلك يجب على المصرف الإسلامي القيام بإجراء دراسات لاحتياجات الأسواق من السلع والمنتجات وخاصة تلك التي يحجم عن تمويلها الأفراد نظراً لطول فترة الاستثمار أو لعائدها غير المجزي على الرغم من أهميتها الاجتماعية والاقتصادية.
في النهاية، لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي تلعبه المصارف الإسلامية خصوصا عند الأشخاص المحافظين الذين يخشون من التعامل مع المصارف التجارية "الربوية" كما يطلقون عليها، لكن بغض النظر عن التسمية، فإن المدقق لصور النشاط الاقتصادي في المصارف الإسلامية سرعان ما سيتبين له بأنها هي ذات الأنشطة تقوم بها المصارف التجارية التي تعتمد المصطلحات العالمية الحديثة، وبالتالي، سواء كان المصرف إسلاميا أو غير إسلامي، فهو بالنتيجة مؤسسة اقتصادية تسعى إلى خدمة الزبائن وتحقيق الربح. ولا يمكن لأحد أن ينكر حق هذه المصارف في تحقيق الربح الذي هو شرط لاستمرارها في تقديم الخدمة لعملائها لأنها في النتيجة ليست مؤسسات خيرية بحتة. وحتى المؤسسات الخيرية، فلولا أن يكون الممولون لها تجارا وأصحاب أعمال كبارا يحققون الأرباح الكبيرة لما استطاعوا تمويل تلك المؤسسات الخيرية، ولما استطاعت تلك المؤسسات أن تقف على رجليها وتقدم خدماتها للمحتاجين.

المصدر: ناصر الماغوط
أضف تعليق أضف للمفضلة طباعة أرسل لصديق للأعلى

التعليقات على الموضوع:


شكرا لقد استفدت كثرا من هذا

المرسل: زائر (not verified)
التاريخ: Thu, 06/20/2013 - 22:53

شكرا لقد استفدت كثرا من هذا الموضوع في بحثي.


كرا جزيلا على كل هدا

المرسل: زائر
التاريخ: Sat, 03/26/2011 - 22:52

كرا جزيلا على كل هدا ششششششكككككككككررررررررا


شكرا جزيلا

المرسل: زائر (not verified)
التاريخ: Sat, 12/04/2010 - 23:58

شكرا جزيلا



هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟


لن نقوم بنشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مواضيع متعلقة

  • تنتشر المصارف الإسلامية في بعض دول العالم، خصوصا الإسلامية منها، جنبا إلى جنب مع المصارف الأخرى لتؤدي دورها في عملية الإقراض والتنمية. وتزداد أهمية هذه المصارف بقدر ما